2007/02/15

رسالة إلى مجنون



باريس: ذات يوم، ذات شهر، ذات سنة

"...صباح الخير يا مجنون،
لكم كنت مجنونة مثلك
ولكم جرّحتني الحياة فحوّلتني إلى جبانة..
ولم أعد أجرؤ على طلب شيء منها.

أغلقت باب غرفة الأمنيات
وألقيت بمفتاحها في البحر
وسجنت نفسي في زنزانة الأحلام المستحيلة
ورميت بمفتاحها أيضا عبر قضبان الكوة الصغيرة
التي أنظر من خلالها إلى مربّع سماء أحلم بوساعتها وصفاء زرقتها
يمر القمر بين الحين والحين ليذكرني برومانسيتي الضائعة،
تتسع له المساحة عندما يكون هلالا ضئيلا
لكنه يتجزأ عندما يكتمل، لأنه يصبح أكبر من قدرة الكوة على استيعاب اكتماله
اليوم لا أعرف إن كنت قادرة على الخروج إلى النور
مجرد التفكير في التفاصيل يرعبني..

أدهشني كثيرا أن يكون هناك من يفكر بي بعد كامرأة
وأنا التي أحاول الإختباء في سمنتي وملابسي السوداء الفضفاضة
لهذا ضحكت كثيرا عندما كلمتني بالتلفون
وسألتني عن الحب في حياتي.. وعن المستقبل..
لهذا أنعتك بالجنون في مطلع هذه الرسالة
ولهذا تذكرت الحوار الصغير الذي سمعته مرة
في أحد كلاسيكيات السينما المصرية في عصرها الذهبي،
قال البطل للبطلة (وكان زمن البطولات!!!) ما معناه:
إستبد بي الأمل وأريد أن أفتح في حياتي صفحة جديدة،
قالت له: إستبد بي اليأس وأتمنّى أن أموت
أجابها طيب"موتي فيّ"!! (هاهاها)
بكل بساطة.

يخيّل إلي أن في هذا الحوار الصغير ما يلخص الحالة
لا أستطيع أن أقول شيئاً الآن، أعرف بل متأكدة من أنك جاد جدا،
لذا يجب أن نلتقي مجددا للتحدث في شجاعتك وفي مخاوفي
ولك خالص مودتي وامتناني
الجبانة الخوافة
"..."

هي كلمات قيلت في عصر جاهلية العشق، قبل الاستسلام،
قبل انطلاق روح الجنّية الهائمة من قمقم سكنته ألف عام،
هي كلمات قيلت قبل عودة الميلاد، قبل القسم والوعد،
قبل تعميدي بماء الشغف والولع والوله والوجد،
قبل اعتماد اسمي النارنجي الفريد
وقبل سنة الهجر التي بدأ بها تقويم عهدي الجديد،
كان هذا قبل الطوفان،
وقبل اكتشاف ذهب الزمان...

(سيتبع كثيرا ...)


اللوحة للفنانة هالة الفيصل

2007/02/13

فالنتاين في باريس



سنة وشهران ويوم واحد، أي ما مجموعه 427 يوما، مرت على ذلك اليوم الذي سمعت فيه صوتك للمرة الأخيرة، في الواقع، وما كففت عن سماع همسه في الخيال.

اليوم، فيما الكل يحتفل بما جرى الاصطلاح أن يسمّى "عيد الحب"، القطيعة لا زالت قائمة بيننا... رسميا، فأنت... ما فارقت حياتي لحظة. بعد الألم واللوعة في الأسابيع الأولى، عدت إلى عاداتي القديمة.. بالمخيلة.. أتخيّل أني أتصل بك، أحادثك، أحاورك، أسألك المشورة، أراضيك إذا ما تدللت في خصامك، وأنعم بوهم يديك على وجنتي، وبوهم صوتك يهمس بكلمة "عمري" أو يناديني بتسمية "نارنج" التي أذوب عند سماعها بنبراتك عندما تحنو...

اليوم، وكأن عليّ فرضا واجبا، أو سنّة لا بد من اتباعها، وبالرغم من آلامي الجسدية، تحمّلت وتجمّلت وتأبطت حقيبتي التي خبأت فيها سرا جديدا من أسرار عشقي الأزلي لروحك.. أخذت الأوتوبيس الأول ثم الثاني... وجهتي تلك الساحة الباريسية التي يوجد فيها أحد أرقى مقاهي عاصمة النور، لأجلس وخيالك في مواجهة مشهد غروب الشمس، لحظة تتأجج فيها الألوان الحارة لتخترق رمادي الغيوم، فيتلألأ برج إيفل ببهارج قوس قزح، وأنا أعرف عشقك للأقواس.

اخترتُ المكان الأنسب للاستمتاع بمرأى الشفق، المخمل الأرجواني في الستائر والمقاعد أشعرني بالدفء والأمان، وأشعل فيّ كل الرغبات، يا ليتك معي لكن... غير معقول، أنت هنا؟؟!!! شكرا لك... أراك لم تتخلف كما كانت الهواجس توسوس في أذن وجداني وأذين قلبي موحية لي بأنك نسيت...

لحظات وتغيب الشمس، لكنهم تداركوا العتمة بإشعال المصابيح البرتقالية... العجائز حولنا يثرثرن همسا، والسائحات اليابانيات بجوارنا حائرات في اختياراتهن، ماذا يشربن؟ نحن الإثنان لم نتردد عندما أطل الغرسون الشاب يسألنا ماذا نريد... اقترحت عليك أن أختار لكلينا...

أمسكتَ بيدي... أو خيّل إليّ أنك فعلت... وبيدك الأخرى رحت تمسد لحيتك الوسيمة، عينٌ عليّ وعينك الأخرى على يابانيات الجوار... لا فائدة من عينك الزائغة "البصباصة"، اجتاحتني موجة من الغيرة العارمة، والتفتُّ يمينا استرق النظر للقادمات من بلاد الشمس المشرقة إلى حيث جلسنا ننشد رؤية المغيب بكل روعته... واحدة فقط يمكن أن تستأثر باهتمامك، واثنتان على حدود القبح، أقولها وأنا أمقت عنصرية الجمال، فلطالما عانيت من عدم اعتراف الآخرين بجمالي "الداخلي"، أو ما يسمى "جمال الروح" تأدبّا... وإذا كنت لا أفهم سر انبهار الرجال بالجميلات فإني لا أنكر شغفي بوسامتك، ولهذا حكاية أخرى...

المهم أني اخترت "قدح" كونياك لي وفنجان قهوة لك، أقصد العكس... أقصد لا يهم بما أننا (أنني!!!) سنشرب (سأشرب) نخب وهمي الأزلي ولا يهم أي شفاه سترشف الكأس أو الفنجان... أمسكتُ بيديك... أو خيّل إلي أنني فعلت... وشددت عليهما، لكم أنا مشتاقة لهما... شددتُ وشددتُ، لكم أنا بشوق لكاريزما روحك التي تسلبني كل إرادة... تحسستُ الأصابع... أو خيّل إليّ أنني فعلتُ... قبلتها واحدة واحدة، أنت هنا... أو هكذا خيّل إليّ... وهذا بات يكفيني... زوّادتي إلى أن يقرر الخالق أن الأزل لم يعد أزلا...

هذا الكونياك المعتق، ألا يذكرك مذاقه بطعم نشوة سرعان ما تكتسي حرقة المرار كما يحدث عندما ينقلب وصلك إلى قطيعة وبعاد لا يستند إلى منطق؟ وهذه القهوة.. خذ منها رشفة.. بديعة أليس كذلك؟ كأن حبات البن فيها منتقاة من جنة عدن قبل أن "تتحمص" بنار الأشواق، وتطحنها .. بل تسحقها هموم الحياة وتعقيدات النفوس...

قبل أن أنسى... أنظر ما الذي أحضرته لك،
أخرجتُ من حقيبتي قلبا صغيرا من الساتان الوردي، ملفوف بشريط مزركش بخيوط من حرير مذهّب... أمسكتَ بالعلبة مستغربا، ها أنت تحل ربطة الحرير وتقرأ على الشريط.. "تي يامو"، "تي كييرو"، "جو تيم"، "آي لاف يو"، و"خربشات باليابانية"، وتقترح بأن تسأل جاراتنا السائحات عن معناها... أقطب جبيني للفكرة، تضحك ضحكتك الماكرة، وترسم على شفتيك مشروع قبلة تبعثها لي في الهواء...

ها قد فتحتَ العلبة... شوكولاته... خذ هذه، على شكل قلب، التهم قلبي المفعم بالعشق... لعل ولعي الطافح يتغلغل في أوردتك ويسري في شرايينك، هذا التأجج البركاني الذي لم تفلح شهور البعاد في إخماده...

تقضم قطعة الشوكولاته وأنت تنظر إلى ساعتك، حان وقت رحيلك على أجنحة الروح؟ أللزمن حساب حتى في عالم الأوهام؟!! تغادر المقهى، أحاول اللحاق بك، الغرسون يلحق بي... "مدام، لم تدفعي الحساب..."ـ صحيح، كدت أنسى.. لعالم الواقع حساب آخر!!

باريس، فالنتاين 2006،
صالح لفالنتاين 2007، بزيادة 365 يوما


2007/02/08

ذهب الزمان: نبتدي منين الحكاية




إلى رات...
هي اليوم من أعز الصديقات وأقربهن إلى ملامسة قاع الروح.. كان يمكن أن تكون ابنتي لو أنني لم أقرر، منذ الصغر، عدم الإنجاب لأسباب لم أعد أذكر تفاصيلها، ولست نادمة.. لكن لو أنني أنجبت بنتا لتمنيت أن تكون هي.. أحيانا يخطر في بالي أن أتصل بأمها لأشكرها على إيصالها للحياة بدلا مني !!!

لطالما سئلت عن الأمومة وعن الغريزة المسماة باسمها، وفي كل مرة، لم تكن الإجابة الصائبة تحضرني، فتكون تارة على شكل عبارة فلسفية من نوع: "لماذا الإنجاب في عالم كلة شقاء"، وتارة أخرى قفشة ساخرة من فئة: "لا أريد تكرار الخطأ الذي ترونه أمامكم"... وأحيانا كنت ألجأ للإجابة المعرّية الشهيرة، نسبة للملقب بـ "رهين المحبسين" أبي العلاء، فيلسوف المعرّة الذي طبقت شهرته الآفاق، والذي كان غيّر رأيه في الحياة لو أنه تذوّق حلوى "الشعيبيات" في المقهى الحقير ببلدة المعرّة، على طريق دمشق/ حلب... أبو العلاء المعرّي كان قد قرر قبل قرون من الزمن أن "هذا ما جناه عليّ أبي ولن أجْنِهِ على أحد!!!"

إذن، رفضتُ الذرية "القنبلة" (!) وكنت ـ ولا أزال ـ أعتقد أن مولد طفلة هو عبارة عن قنبلة موقوتة لا تعرف الأم متى يمكن أن تنفجر في وجهها... ومشيت في طريقي إلى أن التقيتها، قبل سنوات... تصغرني بعقدين من الزمن... لم أكن قد خرجت من مراهقتي وإن كنت قد تجاوزت الأربعين بقليل، ولم تكن قد غادرت طفولتها وإن تخطت العشرين بقليل.

لا يخيّل إليّ أني كنت مثلها في عمرها، الواقع أني كنت أشد خجلا في الظاهر، لكن تمردي لم يكن يقل عن تمرّدها... الآن وبعد تفكير، أظن أنها كانت النسخة "البوزيتيف" من "النجاتيف" الذي كنته. أحببت طيشها لكن تملكني الذعر من هشاشتها، فإذا بي أخاف عليها كما لو كانت تخصني، كنت أخشى عليها من الخدش والعطب، والناس من حولها ذئاب...

هل هذا هو حس الأمومة يا ترى؟ ربما... فتحت باب المحبة أمامها وانتظرت أن تدخل برغبتها... تركته مفتوحا، تخرج متى تشاء وتدخل متى تشاء، لاتفعل شيئا إلا برغبة صادقة، ما من ضرورة للمكاشفة بالأسرار، للعطاء، للأخذ، للتبادل، الحرية المطلقة في التعامل، ما من واجبات سوى صفاء المشاعر و نقاء السريرة...

ما بيننا ليس صداقة، فالصداقة كلمة فضفاضة تتسع لأشياء كثيرة لا تشبه ما بيني وبينها، وما بيننا ليس أمومة ولا بنوة، فلا أمها ولا أمي تعاملتا معنا بهذا الشكل...
أكثر ما أحبه في علاقتنا، لحظة تطلب مني أن أروي لها حكاية ذهب الزمان"... تماما كما يطالب الأطفال أهلهم بحكاية السندريلا أو الأميرة النائمة أو الشاطر حسن... أظن أن عينيها ستلتمعان ببريق التأثر بانتظار سماع الحكاية مجددا... الحكاية من اختراعي تأليفا وتلحينا، ولو حكينا يا حبيبي نبتدي منين الحكاية...؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(يتبع بالتأكيد...)

2007/02/04

نثرات الذهب الأولى





















أنصت إليك تتكلم وأجدك غريب الآطوار
طريقة تفكيرك تبدو لي غير مألوفة
أنا أتعايش مع الحياة، أتقبّلها
وأنت، تبحث دائما عن المشاعر والأحاسيس النادرة
لكن هل تستطيع أن تنكر بأن مجتمعنا
منظّم كما يجب وأن المال يسهّل العيش
يمكن شراء أي شيء، يمكن بيع كل شيء
لكنك أنت لن تحصل على شيء
لأنك تصر على البقاء حرا طليقا

أنا
أبحث عن ذهب الزمان، وأنت لن تفهمني
أبحث عن ذهب الزمان، وعن جمال الأشياء
في حجر القمر، في دفء صيف يتلاشى
في عودة ربيع يتفتق عبر ثنايا وريقات الوردة
أبحث عن ذهب الزمان... ولن تفهم ما أعني

لدي
أصدقاء طيبون
وطريق حياتي مرسوم سلفا
زوجة وطفل وأقساط بحساب
ميزانيتي منضبطة، بيتي أملكه
وبعد بضع سنوات، سأحال على المعاش.
منذ أن كنا صغارا أذكر عنك أفكارك الغريبة
كنت تقتنص شعاع شمس من قلب غيمة
وأنت تلعب تحت زخات المطر
كنت تردد دون هوادة أن الأوضاع يجب أن تتغير...

أنا
أبحث عن ذهب الزمان، وأنت لن تفهمني
أبحث عن ذهب الزمان، وعن جمال الأشياء
في صداقة متينة، في قضية نبيلة، في مدينة فاضلة
أبحث عن ذهب الزمان... ولن تفهم ما أعني


أنت كثير الارتجال في حياتك
وقد حولت الوجود إلى مغامرة
كسباق للبحث عن كنز من الأوهام
ما أنت سوى هامشي دائم الترحال
شاعر مجنون يزدري القوانين والأموال
الزمن سينال منك عندما ستصبح عجوزا
ستغدو بلا حول ولا قوة وسينفض عنك الخلاّن
حين سيخبو البريق الذي تزيّن به أيام حياتك اليوم
وأعترف، سرا، بأن غيابه عن حياتي يؤرقني أحيانا...

أنا
أبحث عن ذهب الزمان، وأنت لن تفهمني
أبحث عن ذهب الزمان، حيث توجد الحياة الحقة
حيث استقر الإنسان الأصيل،
ليسمع أصوات رسل البشرية
تحدثه عن جوهر الحب،
هناك حيث تعبر ظلالهم هامسة
تفصح عن أسباب العشق وأسرار والوجد...
أبحث عن ذهب الزمان... ولن تفهم ما أعني
أبحث عن ذهب الزمان... فهو وحده يهمني ويعنيني

من وحي أغنية فرنسية بعنوان "ذهب الزمان" للفنان شارل ديمون،
قام بتسجيلها عام 1975
وشاركه في أدائها، بدور المحاور اللائم، الممثل الفرنسي القدبر فرنسوا بيرييه.


(يتبع...)

2007/01/31

ذهب الزمان


أبحث عن
"ذهب الزمان" !!!
(يتبع)

2007/01/26

عبارات جاهزة: "من غير ليه" نموذجا



"صار لي شي ميّة سنة عم ألّف عناوين..."
جملة جميلة، سلسة وسهلة، اغترفتها الروح من بحور الفن الفيروزي الرحباني بكل أجياله، والكامن، لاشعوريا، في تلافيف اللاوعي...

هذه الجملة، وجدتها من حيث لا أدري، تطفو على سطح الذهن تلقائيا، كما يحدث عادة، عندما أكون بصدد كتابة نص، أو حتى التحدث بعفوية مع أحباء... نعم، هكذا، تتداخل كلمات الأغاني
المنتمية إلى زمن الصفاء والنقاء، ويحلو لي أن أسميه زمن البراءة! تتداخل هذه الكلمات في"المونولوج الداخلي" كما سمّاه علماء النفس ـ عندما تحدّث الذات ذاتها ـ أو في الخطاب الخارجي مع المحيط .

الأقدمون، وهم غير "الأقربون، الأَولى دوما بالمعروف"، كما هو معروف...
هؤلاء الأقدمون، كانوا يستشهدون بالحكم والأمثال الشعبية والعبارات الجاهزة، وحتى الأقوال المأثورة، المتوارثة "أبّا عن جد"... كان هذا قبل زمن الإعلام، بصحافاته المكتوبة والمسموعة والمرئية، لكن مع انضمام الإعلام إلى وسائل تناقل الموروث الشعبي، باتت هنالك عملية "تلاقح"، قوامها التمازج والتبادل، بين الحياة اليومية الواقعية، وما ُيضاف إليها،"مفلترا"، عبر أقنية الصفحة والصوت والصورة..
تجد شاعرا موهوبا، يتنفس هواء الحياة، يمتصه ألما... كما يمتص النبات ثاني أكسيد الكربون، ثم يطرحه جمالا، كما تطرح النباتات الأكسجين في الأجواء...
كلنا تنفسنا الهواء ذاته ، ولكن لسنا جميعا من فصيلة النبات الطارح لأكسجين الشِعر...

يمكن لكائن شعري إسمه مرسي جميل عزيز، أن يلتقط من مفردات حياتنا اليومية عبارة شائعة إلى حد أننا لم نعد نلتفت إلى كنهها، تقول مثلا: "عارف ليه.. من غير ليه...يا حبيبي بحبك"، يأتي رحيق العبقرية الوهابية الفذة، فيمرر فوقها لمسة من بريق خلطة الجمال السحرية التي لا يعرف سرها إلا الصفوة المختارين من أبناء وادي عبقر.

بصرف النظر عن الذكاء الترويجي الراقي الذي كان يتميز به "موسيقار الأجيال"، صحونا ذات يوم من مطلع سنوات التسعينات لنشهد انتشار أغنية "من غير ليه" في الأجواء،
" كانتشار النار في الهشيم" (عبارة جاهزة)

وعادت عبارة "من غير ليه" لتأخذ قيمة جديدة في حياتنا اليومية، فقد اكتسبت مرجعية فنية مشتركة، وأصبحنا، حتى دعاة الفردية بيننا، نسعد بمشاركة الآخرين، وبما يكاد يشابه التواطؤ، في تداول عبارة باتت تعني شيئا لكل منا، هذا الشيء قد يكون محددا، وقد يكون ذكرى، وقد يكون "قفشة" طريفة،

بالنسبة لي مثلا، تذكرني"من غير ليه" بلقاء مع أصدقاء قادمين من الأوطان الحبيبة، تمّ في أحد المقاهي الباريسية، طلبنا القهوة فأحضرها "الكرسون" الذي أخبرنا أنه مصري بعد أن سمعَنا نتحدث العربية، وصبّ قهوتنا...
( ولم يزدهاهيييييييييييييل!!!! وهذه بدورها عبارة مأخوذة عن الفولكلور الأردني الذي كان عاد وانتعش في سنوات الستينات بصوت "البدوية في باريس" سميرة توفيق... ترى أين هي الآن؟؟؟)
... صبّ قهوتنا وسألني: هل تريدين القهوة باللبن / الحليب؟ أجبت دون تردد: "من غير ليه!" وضحكنا
("ضحك طفلين معا" .. عبارة جاهزة من قصيدة الأطلال للشاعر ابرهيم ناجي والملحن رياض السنباطي وأم كلثوم)...
.. وضحكنا من القلب للقفشة التي تلاعبت بالكلام في اللغتين العربية والفرنسية، بما أن لفظ كلمة "حليب" بالفرنسية هو "ليه"...(lait) .

السطور السابقة تذكر بأهمية إنتمائنا إلى مرجعية ثقافية واحدة نتناقلها من جيل إلى جيل، أفقيا وعموديا، والأبسط أن أقول زمنيا ومكانيا، مع أفراد عائلتي الأقرب والأبعد، لكي نتمكن من أن نضحك معا، ونطرب معا، ونتأثر معا، ونتحمس معا، ونبكي معا، وقد نضطر للمعاناة ، وحتى الموت معا...
( الموت مع الجماعة رحمة !... عبارة شائعة مأخوذة عمن سبقونا)
الموت معا.. ونحن نعرف ما هي مرجعية ما يحرّك المشاعر فينا...

أن لا أضطر لأن أضحك وحدي إذا ما سمعت عبارة من إحدى مسرحيات نجيب الريحاني على لسان الرائعة ماري منيب، بلهجة "عصمليّة " مبالغ فيها : إنتي بيشتغلي إيه؟ من مسرحية "إلا خمسة"، أو أبكي وحدي إذا ما سمعت صوت حليم يهتف: أحلف بسماها وبترابها...!

مَن المسؤول عن محاولات محو ذاكرتنا الجماعية؟
تعددت قنوات الإتصال فكاد التواصل أن ينقطع، والوصل أن لايعود "إلا حلما"..
(لم يكن وصلك إلا حلما... من موشح أندلسي أعاد الرحابنة إحياءه!)

لا بأس من القنوات الاذاعية والتلفزيونية المتخصصة بالأخبار، بالأغاني الشبابية واالكلاسيكية، وبالرياضة والاقتصاد، بالأفلام الأجنبية والعربية والهندية وحتى الكورية، بالسياحة والسفر والمسلسلات القديمة والأقل قدما، ولكن ما الذي يمنع من وجود فضاء إعلامي مشترك يجمع حدا أدنى من أشياء جميلة وأساسية، يتفق عليها المنتمون إلى مختلف الأجيال ؟ ولماذا تتوفر رؤوس الأموال لكل المشاريع سريعة العطب والزوال، والساعية للتشبه بغيرها من المشاريع التي لا تشبهنا، ولا يجد الجادون فلسا واحدا لمشروع يعمل على توثيق أعذب ما في تراثنا من كلمات ونغمات وبسمات وضحكات، يتعاون فيه الشباب والكهول والمتصابون، لايهم ، الكل يعني الكل...!! (عبارة شائعة مأخوذة عن نكتة غير مهذبة... وهذا أيضا تراث !!). لماذا؟؟؟؟

صح ! نسيت...
من غير ليه...

2007/01/23

لا تفهموني غلط














بين
ما أفكر
وما أريد قوله
وما أظن أني قلته
وما قلته فعلا

وما ترغب أنت في سماعه
وما تظن أنك سمعته
وما سمعته فعلا

وما تريد أن تفهمه
وما فهمته فعلا،

هنالك ما يقارب العشرة احتمالات في حدوث "سوء تفاهم" بيننا...
ومع ذلك فلنحاول..."

حاولوا أن تفهموني...
أولا، لست صاحبة المقولة المذكورة أعلاه، بل هي للكاتب الفرنسي برنار فيربير، الذي ذاع صيته بين الأجيال الشابة من القراء الفرنكوفونيين كأحد أشهر كتاب روايات الخيال العلمي، وأعترف أنني عندما قرأت هذا المقطع الذي يفتتح به إحدى رواياته، تمنيت لو أنني كنت صاحبة المقولة، فقد عبّرَتْ تماما (أو هكذا ظننت ربما!!!) عمّا أشعر به تجاه المهنة الإعلامية بشكل عام، ومختلف فروعها، من مكتوب ومسموع ومرئي...
وما قد يأتي في المستقبل البعيد الذي سيعيشه أولادكم وأحفادكم،
بما أنني، شخصيا، حاولت المساهمة في عدم إرهاق الكوكب المتعب، أي الأرض، بذرية لي قد لا تكون صالحة، فقط من باب التزامي بالحفاظ على البيئة...
فالأبناء كاليانصيب، من يدري، مهما حاولنا أن نربيهم أفضل تربية، تتدخل عوامل كثيرة في تشكيل طباعهم، ومستقبلهم، أقل هذه العوامل القَدَر (ما أكبرها من كلمة!)، وأقوى هذه العوامل، المدرسة، الرفاق، وطبعا الإعلام...
الإعلام "المكتوب" الذي تتضاءل أهميته لصالح "المسموع"، و"المسموع" الذي تتراجع "فلوله"( وتكاد تصبح مقتصرة على سائقي السيارات وراكبيها) أمام هجمات "المرئي"، والمرئي بتطاوله على مختلف مرافق الحياة...

أتوقف هنا برهة لأتخيل بأنه قد يأتي زمن ويصبح فيه الإعلام "مشموما"، أو"متذوقا"، لأن حواسنا الأخرى قد تطالب، ذات يوم، بنصيبها من الوجبة الإعلامية التي أصبحت حاجة، كالخبز اليومي،
هذا إذا لم نكن في حالة حمية غذائية تنصح بالابتعاد عنه، (أي الخبز)، طالما أن الأطباء لم يفكروا بعد بنصيحة مرضاهم بالابتعاد عن القنوات الإخبارية، أو قنوات الأغاني، حفاظا على أعصابهم أو مشاعرهم،
ولو أني فعلا، وقعت، في مرة من المرات، على أخصائي في إحدى فصائل الطب البديل لمعالجة حالة اكتئاب عابرة، فلما اكتشف أن مهنتي الإذاعية تفرض عليّ سماع كم هائل من الأغاني، أوصاني بالتوقف عن سماعها، على الأقل، ما هو حزين منها، والحقيقة أني لم التزم بتوصيته، لأني كنت، ولازلت، أعاني من إدمان في هذا المجال..

أظن أني شططت كثيرا، عما كنت أريد قوله،
وهو أنه في ظل كل احتمالات سوء التفاهم الممكنة في أي تواصل بين الأشخاص، لماذا نضيف مشكلة "عدم الدقة"،
(أعرف أن التدقيق متعب وقد يبدو مملا أو مضيعة للوقت، ولكن ما الذي نفعله بالدقائق القليلة التي نوفرها من الوقت الضائع في التدقيق)،
ولماذا نضيف على احتمالات الوقوع في فخ "سوء التفاهم" مسألة "تجميل الكلام" ليصبح أكثر إثارة، بحيث يستفز "عنوان الكلام" المتلقي، قارئا كان أم مستمعا أم مشاهدا، دون أن نقدّر ما سيلحق بصاحب العلاقة من أذى، أو ما سيشعر به المتلقي من خيبة عندما سيجد أن كلام العنوان غير متطابق مع مضمون المقولة..
لماذا تتم معالجة الأمور إعلاميا وكأن الواقع قبيح أو باهت، وكأن الحقيقة غير جميلة، وكأنها غير قابلة للتسويق (والتشويق!) ...مع أن أحد توجهات الإعلام اليوم ذلك الجانب المسمى "تلفزيون الواقع"، وطبعا هو أيضا واقع "مجمّل!

لم يعد أحد يفطن إلى أن هنالك حقائق جميلة، وواقع ممتع.
الملح والسكر والبهارات، نعم، تزيد الحياة إثارة ومتعة، أحيانا، ولكن هل يخطر ببالنا القيام بتجربة أن نعود ونقضم تفاحة (لن أشط عن الموضوع، لا بتفاحة أدم ولا بتفاحة نيوتن!)، مجرد قضم تفاحة عادية، تفاحة بسيطة، غير مهجنة، "أورغانيك" كما يقول أتباع العودة للطبيعة، تفاحة دون سيليكون، يتم قضمها والعينان مغمضتان، لإعادة إكتشاف كنه التفاح أو الجوهر، ملامسة الحياة، متعة الحواس في بدائيتها...
وأرجو أن لا تفهموني غلط !!

2007/01/21

اصطفل




سأحبك وحيدة
سأحبك وكأنك موجود
وكأنك تحبّني
وكأنك ذهبت لتشتري علبة سجائر، وعلبة كبريت
أسمع صوت احتكاك عودها
فأتذكر قولك الضاحك، مجترّا كتّاب الروايات الرخيصة
"وأشعل لفافة التبغ..."
وأبتسم في سرّي لخيال وجهك المضاء
بحنو النظرة الماكرة، والابتسامة المتظاهرة بالبراءة...


سأحبك وكأنك موجود في حياتي،
وكأنني لا أعرف أنك لن تتصل ولن تعود
ولن تسمعني صوتك
ولن تضع يدك على أي جزء مني
سأحبك وأتحايل على ذكائي الذي يصرّ أن يعرف لماذا وكيف ومتى وكم ولِمَ لمْ...
وما تبقّى من أسماء الاستفهام


سأحبك كما لو أنك ستعود
وسأحتفل بمناسباتنا السعيدة العديدة
يوم ولدتَ ويوم ولدتُ ويوم بُعثتُ حية
بفعل نظرتك الأولى


سأحبك افتراضيا، وأعتبر أنك أتيت
إلى البيت
وفتحت الباب، وخلعت حذاءك عند المدخل
ومشيت حافيا على السجادة التي تعشق دوس قدميك


لن يكون هنالك فرق بين رضاك وجفاك
ستمتليء أيامي بهناء من فراغ
هناء كاذب مفصّل على مقاس رغباتي...
لن يجرحني برودك
لن يقتلني صمتك
ولن تخنقني نبرات صوت يتظاهر بالجفاء
طامعا في إبعادي لأسباب لا أفهمها
لا أقوى على فهمها
لا يقبل منطقي الإعتراف بها

سأحبك إلى ماشاء الحب....
اصطفل!!!!!!